الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

349

نفحات الولاية

« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأَمُوُرِ ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلامُ الظُّهُورِ ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ فَلا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ ، وَلا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ ، سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلا شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ وَقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ فَلا . اسْتِعْلاؤُهُ باعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلا قُرْبُهُ ساواهُمْ فِي الْمَكانِ بِهِ . لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ ، وَلَمْ يَحْجُبْها عَنْ واجِبِ مَعْرِفَتِهِ ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلامُ الْوُجُودِ عَلَى إِقْرارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ ، تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجاحِدُونَ لَهُ عُلُوّاً كَبِيراً ! » الشرح والتفسير المنزه عن الظن والخيال ذكرنا سابقاً أن الخطبة واردة في صفات الجلال والجمال ، حيث أشارت إلى عدد من أسماء اللَّه الحسنى بعبارات قصيرة بعيدة المعنى ، فقد استهل الخطبة بذكر خمس صفات من صفاته التي توضح كل واحدة منها الأخرى فقال « الحمدللَّه الذي بطن « 1 » خفيات الأمور ودلت عليه أعلام الظهور » وليس للعين من سبيل إلى رؤيته « وامتتع على عين البصير » ومن هنا « فلا عين من لم يره تنكره ولا قلب من أثبته يبصره » . وقد أورد شرّاح نهج‌البلاغة عدّة تفسيرات لقوله عليه السلام « الذي بطن خفيات الأمور » فقال البعض : بطن هنا بمعنى علم ، وقيل بطن هنا بمعنى الخفاء ؛ أي اللَّه الذي خفيت به الأسرار ، إلّاأنّ التفسير الذي ذكرناه أنسب وهو أن

--> ( 1 ) « بطن » من مادة « بطن » على وزن متن تستعمل للأشياء الخفية ، ويقال بطنت الأمر بمعنى علمت ببواطنةوأسراره . ولما كان داخل البطن خفي فقد استعملت هذه المفردة بشأن كل شيء خفي ، وباطن الأشياء بمعنى داخلها ، وله معنى الفعل اللازم والمتعدي .